أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
100
العقد الفريد
قالت : قولي لأبي الحسن وأبي الحسين : هلمّا الساعة ! فقلت في نفسي : أبو الحسن وأبو الحسين ، هو عليّ بن أبي طالب ! قال : فإذا شيخان خاضبان نبيلان قد أقبلا ، فصعدا ، فقصت المرأة عليهما القصة ، فخطب أحدهما وأجاب الآخر ، وأقررت بالتزويج وأقرّت المرأة ؛ فدعوا بالبركة ثم نهضا ، فاستحييت أن أحمّل المرأة شيئا من المئونة ، فأخرجت دينارا آخر فدفعته إليها ، وقلت : اجعلي هذا لطيبك . قالت : يا أخي ، لست ممن يمسّ طيبا لرجل ، إنما أتطيّب لنفسي إذا خلوت . قلت : فاجعلي هذا لغدائنا اليوم . قالت : أما هذا فنعم . فنهضت الجارية ، وأمرت بإصلاح ما يحتاج إليه ، ثم عادت ، وتغدّينا ، وجاءت بأداة وقضيب ، وقعدت تجاهي ؛ ودعت بنبيذ فأعدّته ، واندفعت تغني بصوت لم أسمع مثله قط ، فإني ألفت القينات نحوا من ثلاثين سنة ، ما سمعت مثل ترنّمها قط ؛ فكدت أجنّ سرورا وطربا ، فجعلت أريغ « 1 » أن تدنو مني فتأبى ، إلى أن غنّت بشعر لم أعرفه ، وهو : راحوا يصيدون الظّباء ، وإنني * لأرى تصيّدها عليّ حراما ! أعزز عليّ بأن أروّع شبهها * أو أن تذوق على يديّ حماما ! فقلت : جعلت فداك ! من يغنّي هذا ؟ قالت : اشترك فيه جماعة ، هو لمعبد ، وتغنى به ابن سريج وابن عائشة . . . فلما نعي إلينا النهار وجاءت المغرب ، تغنّت بصوت لم أفهمه ، للشقاء الذي كتب عليّ ، فقالت : كأني بالمجرّد قد علته * نعال القوم أو خشب السواري « 2 » قلت : جعلت فداك ! ما أفهم هذا البيت ولا أحسبه مما يتغنى به . قالت : أنا أوّل من تغنى به . قلت : فإنما وهو بيت عابر لا صاحب له ؟ قالت : معه آخر ليس هذا وقته ، هو آخر ما أتغنى به ؟
--> ( 1 ) أريغ : أحاول . ( 2 ) المجرد : يريد الذي جرّد من ثيابه .